عبد الكريم الخطيب
52
التفسير القرآنى للقرآن
تفكيرا وتقديرا للأمور ، ثم إرادة تمضى ما انعقد عليه الرأي . شأنه في هذا شأن الوكيل ، الذي يتولّى عن الأصيل التصرف فيما وكّل فيه ، دون الرجوع إلى موكّله . والإنسان ، بما له من عقل ، وإرادة ، هو المستأهل لهذه الخلافة على الأرض ، يتولاها عن اللّه ، ويتولّى ضبط أمورها وسياسة شؤونها . * « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » . اختلف في هذه الأسماء التي علمها اللّه سبحانه آدم - أعنى الإنسان - والرأي في هذا ، أن اللّه سبحانه أودع في الإنسان القدرة على البحث والنظر في الكشف عن خصائص الأشياء ، وعللها ، وأسبابها ، والوقوف على أسرارها المودعة فيها ، وحلّها وتركيبها . . وبهذه القدرة عرف حقائق كثير من الأشياء ، وهو جادّ أبدا في الكشف عن المزيد منها ، يوما بعد يوم ، وجيلا بعد جيل ، وعصرا إثر عصر ! وكلما عرف حقيقة وضع لها اسما تعرف به . فالمراد بالأسماء هنا هو مسميات تلك الأسماء ، والمراد بالمسميات ، خصائص هذه المسميات ، وحقائقها . والأسماء كلها ، لا يراد بها أسماء جميع الموجودات في هذا الوجود ، إذ أن آدم لا يمكن أن يحيط علمه بكل موجود ، ظاهر أو خفى ، قريب أو بعيد . . وإنما المراد - واللّه أعلم - المسميات التي تكشفت حقائقها لآدم وذريته ، واهتدوا إلى التعرف عليها ، وتحديد موقفهم منها ، إيجابا أو سلبا . . ففي دائرة هذه المعرفة كان امتحان الملائكة ، وكان عجزهم ، وكان إعلام آدم إياهم بما عجزوا عن معرفته ! فكان ذلك أبلغ ردّ على اعتراض الملائكة ، وجلاء الموقف الذي وقفوه من آدم .